محمود حمدي زقزوق

52

موسوعة التصوف الاسلامي

ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى ، فكيف يظن بأولياء اللّه تعالى أنهم يدّعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله العقول الضعيفة ؟ ! هذا كالمحال في حقهم رضى اللّه تعالى عنهم ؛ إذ ما من ولى إلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر المخلوقات والحقائق ، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق ، لأن اللّه بكل شئ محيط " 1 . والحلول والاتحاد لا يكون إلا بالأجناس ، واللّه تعالى ليس بجنس حتى يحل بالأجناس ؛ وكيف يحلّ القديم بالحادث ؟ ! وكيف يحل الخالق في المخلوق ؟ ! إن كان هذا حلول عرض في جوهر فاللّه تعالى ليس عرضا ، وإن كان حلول جوهر في جوهر فليس اللّه تعالى جوهرا ، وبما أن الحلول والاتحاد بين المخلوقات محال ، إذ لا يمكن أن يصير رجلان رجلا واحدا لتباينهما في الذات ، فالتباين بين الخالق والمخلوق ، وبين الصانع والصنعة ، وبين واجب الوجود والممكن والحادث - أعظم وأولى الاستحالة لتباين الحقيقتين . وما زال العلماء ومحققو الصوفية يبينون بطلان القول بالحلول والاتحاد ، وينبهون على فساده ، ويحذرون من ضلاله . قال الشيخ محيي الدين بن عربى رحمه اللّه تعالى في عقيدته الصغرى : " تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها " 2 . وقال في عقيدته الوسطى : " اعلم أن اللّه تعالى واحد بالإجماع ، ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شئ أو يحل هو في شئ أو يتحد في شئ " 3 . وقال في باب الأسرار : " لا يجوز لعارف أن يقول : أنا اللّه ، ولو بلغ أقصى درجات القرب ، وحاشا العارف من هذا القول حاشاه ، إنما يقول : أنا العبد الذليل في المسير والمقيل " 4 . وقال في الباب التاسع والستين ومائة : " القديم لا يكون قط محلا للحوادث ، ولا يكون حالا في المتحدث " 5 . وقال في باب الأسرار أيضا : " من قال بالحلول فهو معلول ، فإن القول بالحلول مرض لا يزول ، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد ، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول " 6 . وقال كذلك - في الباب نفسه : " الحادث لا يخلو عن الحوادث ، ولو حلّ بالحادث القديم لصح قول أهل التجسيم ، فالقديم لا يحلّ ولا يكون محلا " .